محمد بن جرير الطبري

30

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو النضر ، عن صالح المري ، عن قتادة ، عن ابن عباس ، قال : ثمان آيات نزلت في سورة النساء ، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، أولاهن : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ والثانية : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً والثالثة : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء ، وزاد فيه : ثم أقبل يفسرها في آخر الآية : وَكانَ اللَّهُ للذين عملوا الذنوب غَفُوراً رَحِيماً وأما قوله : وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً فإن القراء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين : " وندخلكم مدخلا كريما " بفتح الميم ، وكذلك الذي في الحج : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ فمعنى : " وندخلكم مدخلا " فيدخلون دخولا كريما . وقد يحتمل على مذهب من قرأ هذه القراءة أن يكون المعنى في المدخل : المكان والموضع ، لأن العرب ربما فتحت الميم من ذلك بهذا المعنى ، كما قال الراجز : بمصبح الحمد وحيث نمسى وقد أنشدني بعضهم سماعا من العرب : الحمد لله ممسانا ومصبحنا * بالخير صبحنا ربي ومسانا وأنشدني آخر غيره : الحمد لله ممسانا ومصبحنا لأنه من أصبح وأمسى . وكذلك تفعل العرب فيما كان من الفعل بناؤه على أربعة تضم ميمه في مثل هذا ، فتقول : دحرجته مدحرجا فهو مدحرج ، ثم تحمل ما جاء على أفعل يفعل على ذلك ، لأن يفعل من يدخل ، وإن كان على أربعة ، فإن أصله أن يكون على يؤفعل : يؤدخل ، ويؤخرج ، فهو نظير يدحرج . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين : مُدْخَلًا بضم الميم ، يعني : وندخلكم إدخالا كريما . قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك : وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً بضم الميم لما وصفنا من أن ما كان من الفعل بناؤه على أربعة في فعل فالمصدر منه مفعل ، وأن أدخل ودحرج فعل منه على أربعة ، فالمدخل مصدره أولى من مفعل مع أن ذلك أفصح في كلام العرب في مصادر ما جاء على أفعل ، كما يقال : أقام بمكان فطاب له المقام ، إذا أريد به الإقامة ، وقام في موضعه فهو في مقام واسع ، كما قال جل ثناؤه : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ من قام يقوم ، ولو أريد به الإقامة لقرئ : " إن المتقين في مقام أمين " كما قرئ : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ بمعنى الإدخال والإخراج ، ولم يبلغنا عن أحد أنه قرأ : مدخل صدق ، ولا مخرج صدق ، بفتح الميم . وأما المدخل الكريم : فهو الطيب الحسن ، المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه ، وبارتفاع الهموم والأحزان ودخول الكدر في عيش من دخله ، فلذلك سماه الله كريما . كما : حدثني محمد بن الحسن ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً قال : الكريم : هو الحسن في الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ يعني بذلك جل ثناؤه : ولا تشتهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض . وذكر أن ذلك نزل في نساء تمنين منازل الرجال ، وأن يكون لهم ما لهم ، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة ، وأمرهم أن يسألوه من فضله ، إذ كانت الأماني تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق . ذكر الأخبار بما ذكرنا : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله لا نعطي الميراث ، ولا نغزو في سبيل الله فنقتل ؟ فنزلت : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا معاوية بن هشام ، عن سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله : تغزو الرجال ولا نغزو ، وإنما لنا نصف الميراث ؟ فنزلت : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ونزلت : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَلا تَتَمَنَّوْا